كريستين حنا نصر
في خضم الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة الامريكية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية و المفاوضات الغامضة و المتقطعة و غير المكتملة التي يسودها تناقض التصريحات و تمديد دون تحديد وقت انتهاء و بين احتمالية اندلاع الحرب للدورة الثالثة بين الطرفين بعد حرب 12 يوم و الحرب الأخيرة التي اطلقت عليها أمريكا حرب (Epic Fury ) الغضب الملحمي ، يجدر بنا التطرق الى ان السمة الطاغية على هذه الحرب عدم الوضوح من طرف الإيراني حيث كتب الرئيس ترامب على منصته "تروث سوشيال": "إيران أبلغتنا للتو بأنها في حالة انهيار. إنهم يريدون منا فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، بينما يحاولون فهم وضع قيادتهم (وأعتقد أنهم سيكونون قادرين على ذلك!)" ، جاءت المطالبة بأعاده فتح مضيق هرمز و عدم استمرار اغلاق الموانئ متوازياً مع محاولة ايران تسوية أوضاع قيادتها و انقساماتهم ، و من جهة أخرى تدرس أمريكا ردود الفعل الإيرانية و اعلان ترامب نصراً احادياً تاريخياً لهذه الحرب على ايران مع عدم الوصول الى اتفاق للمفاوضات على المستوى العملي ، في حين جاءت تصريحات ترامب بإمكانية استئناف الحرب من جديد و العودة بعد ذلك الى طاولة المفاوضات مرة أخرى .
من الجدير ذكره الجولة الإقليمية لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي ضمت زيارة موسكو حاملاً معه ملفات التعاون الثنائي الاستراتيجي ، و متوقع بعد عودته الى طهران مشاورة القيادات الحالية للنظام الإيراني ، تعد عملية التفاوض الامريكية الإيرانية عملية بطيئة دون أي تقدم مجدي او ملموس و علاوة على ذلك صعوبة التواصل مع المرشد الأعلى الحالي مجتبى خامنئي بسبب اصابته و تواريه عن الأنظار ، و في ضمن هذا الاطار و بعد اغلاق مضيق هرمز بالحصار الأمريكي للموانئ الايرانية بدء الصراع الداخلي الإيراني للسلطة يتزايد مع تزايد اختلاف الرأي للقرارات السيادية الحاكمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ، و في الغالب ان هناك ثلاثة قوى بقرارات و اراء مختلفة و تتكون من الحرس الثوري و حكومة التكنوقراط و الشعب الإيراني ، مما لا شك فيه ان الأهداف مختلفة لهذه ثلاث و لا يقبل احد بقرارات الآخر ، التناقضات باتت واضحة على ارض الواقع ، و تعقيباً على ما سبق حادثة استقالة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في 23 ابريل و الذي كان جزءً من الوفد الإيراني المفاوض في اسلام آباد و يعود السبب الرئيسي للاستقالة انه اُمر بها و حول الى الحجز في منزله اثر إقامة جبرية ، في حين ان حكومة الرئيس بزكشيان و وزير خارجيته يسعون الى حل و الوصول الى اتفاق مع أمريكا ، الحرس الثوري برغم انه منهك نتيجة الضربات السابقة من الحروب على قوى الهيكل العسكري الا انه يريد الاستمرار و يدفع ناحية الحرب مرة أخرى و يتوعد بقدرات جديدة في الحرب المقبلة ، و يستلزم القول عن الانفجارات الغامضة داخل ايران و التدهور للوضع الاقتصادي و تصاعد الانقسامات الداخلية ، و في مقابل ذلك أمريكا ليست على عجلة حالياً لأبرام أي اتفاق و في حين ان أسطولها البحرية تعسكر في المنطقة و تدفع بتواجد ( القديسة الشبحية ) يو إس إس سانتا باربارا التي تتحرك لاستئناف الحرب ضد ايران من جديد و عامل الوقت في هذه المرحلة له الدور الكبير لصالح أمريكا و احتمالية الانفجار الداخلي الإيراني الاقتصادي في ظل الحصار المفروض عليها و من هذا المنطلق عزلها عن العالم سياسياً و اقتصادياً ، الذي بطبيعة الحال الشعب الإيراني ليس راضياً عنه بالأساس و سيسبب تصدع بالتماسك بين الشعب و النظام و يحمل معه التظاهر الشعبي و الخروج لتحقيق المطالب و خصوصاً بعد انها لم تتمكن من تصدير النفط و بعد 12 يوماً من الآن سعة تخزين النفط ستصل الى ذروتها و ستضطر الى توقيف الإنتاج ، و يبقى التساؤل هل ستسمر ايران بتكبد الخسارات ام انها ستخضع الحرس الثوري بالانصياع وراء الاتفاق و كبح جماح وكلائها في الشرق الأوسط ( اليمن و العراق و لبنان ) من استمرار الصواريخ على إسرائيل و الدول العربية و الخليجية ؟ و علي ان اتطرق ان خلال الحرب كان الحرس الثوري قد وجه الى الدولة المتحدة الإماراتية بدبي بالتحديد صواريخ اكثر من ما وجهها الى القواعد الامريكية و إسرائيل حسب الإحصاءات و بالنظر الى الدول العربية فقد وجه الصواريخ ناحية المملكة الأردنية الهاشمية ، و بالنظر الى ما سبق نجد ان حكومة بزكشيان تواجه صعوبة بأخذ القرار و الذي يسعى الى المحادثات الفعالة و الوصول الى حل في هذه الحرب التي لم تنتهي بعد .
لا يعفي القول ان الحرس الثوري يسيطر على 40% من الاقتصاد الإيراني في قطاع الانشاءات و البناء و الاتصالات و انتاج النفط و واردات المصارف ، ناهيك عن القوى الإنتاجية العسكرية ، مما لا شك فيه ان الحرس الثوري ليس فقط قوى عسكرية و انما يعد امبراطورية اقتصادية و مبدأها الاقتصادي الامتصاص المقاوم ، لكن المرحلة الحالية التي تمر بها ايران توصف بمرحلة الاختبار بظل تزايد العقوبات على قطاع المصاريف و حصار الموانئ و اغلاق مضيق هرمز عليها و تداعيات الحرب على الاقتصاد الإيراني بعدم إمكانية تصدير النفط الى حليفها الأساسي الصين كل هذه الضغوطات و المؤشرات تدل على احتمالية التصدع من الداخل يوم بعد يوم ، و مع ظهور الفئة التي تنادي بمصطلح ( الجيش و الشعب ) التي ترفض سياسة الحرس الثوري و حكومة التكنوقراط و تزايد استخدام هذا الفكر و المصطلح خلال هذا الوضع و الانقسامات الحالية بعد المطالبة فيه لأول مرة خلال المظاهرات السابقة يعود لأول مطالب الشعب بعد تدهور العملة و عدم إمكانية ايران من تصدير النفط و الوصول الى امتلاء السعة التخزينية للنفط ، و حرصاً على عدم اغلاق آبار النفط لصعوبة إعادة فتحها و استئناف ضخ البترول من جديد و التي قد تأخذ من شهر في افضل الأحوال و قد لا يعاد تشغيلها في اسوء الأحوال ، و تماشياً على ما سبق سوف تتفاقم المشاكل بين الشعب و القوى الحاكمة و تزعزع الاتفاق الصامت بينهم و هي ( المعادلة الاقتصادية ) لا حرية في الاختيار و لكن كون مشتقات النفط رخيصة للشعب و الخبز المدعوم من قبل الدولة ، و مع هذه الضغوطات و تزايد غلاء المعيشة ستتمزق المعادلة و هذا ما يلح على حكومة التكنوقراط بالإسراع في المفاوضات الامريكية ، و مع تضييق الحصار الذي يطيل بالضرورة دفع الرواتب الى الحرس الثوري ، و لا بد من الإشارة ان تردي الاقتصادي و الاخذ بالحسبان الانفجار الشعبي و العودة الى المظاهرات و انتهاز المعارضة الخارجية و الداخلية لهذا الوضع و دعم الحراك لتوجيه الدكة نحو ما يريدون ، يبدو ان النظام الحالي يتصدع خارجياً و داخلياً و إصرار الشعب لتطبيق حكم ( الشعب و الجيش ) و السعي الى خلخلة الوضع الحالي ، و في هذا السياق و مع احتمالية استئناف شن الحرب الامريكية على ايران من جديد في ظل عدم التوصل الى اتفاق في الوقت القريب .
الحرب الخارجية و التذمر الداخلي عاملين لتسويد المشهد المستقبلي الإيراني و على هذا المنوال يجب الاخذ بالحسبان ، هل في حال استمرار الحرب هل سوف تستأنف ايران بضرب جيرانها في الدول الخليجية و العربية مثال إقليم كردستان العراق و المملكة الأردنية الهاشمية ؟ و من المهم في هذا الصدد ان المعركة القادمة ان حدثت مع استمرار الحصار الاقتصادي سوف يؤدي الى تبديد قوى الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدعم اذرعها و استمرار حربها بالوكالة في دول الشرق الأوسط و خصوصاً العراق و لبنان و اليمن الذين يواجهون قوى متعددة و أهمها الدول التي تسعى لاستعادة سيادتها على الجيش و الحسم بقرارات الدولة السيادية بدون أي أحزاب مدعومة من ايران التي تفتك في بعض دول الشرق العربي للأسف .